الشيخ الطبرسي
95
تفسير جوامع الجامع
وَالأَثلَ ( 1 ) آيةً وعِبرةً لَهُم وَلغَيرِهِم ، وقيلَ : إنَّ الآيةَ أنَّهُ لَمْ يكُنْ في بَلَدِهِم بعُوضَةٌ ولا ذُبَابٌ ولا عَقْربٌ ولا حَيَّةٌ ، وكانَ الغَريب إذا دَخَلَ في بَلَدِهِم وفي ثيابِهِ قُمَّلٌ مَاتَت ( 2 ) . ولَمْ يُردْ بُسْتَانَيْنِ فَحَسْب ، وإنَّما أَرادَ جَمَاعَتَيْنِ من البُسْتَانَيْنِ ، جَماعةٌ عن يَمينِ بَلَدِهِم وأُخرى عن شمَالِها ، وكلُّ واحِدَة من الجَمَاعَتينِ في تَقَارِبِهُما وتَضَامِّهُما كأنَّهُما جَنَّةٌ واحِدةٌ ، أو : أَرادَ بسْتَانيْ كُلِّ رَجُل مِنْهُم عن يَمينِ مَسْكَنِهِ وشمَالِهِ ، كما قَالَ : ( جَعَلْنَا لأِحَدِهِمَا جَنَّتَيْن مِنْ أَعْنَاب ) ( 3 ) ، ( كُلُواْ مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ ) إمَّا حِكَايةٌ لِمَا قَالَ لَهُم أَنبياءُ اللهِ المبعُوثُونِ إليهِم ، أو : لِمَا قَالَ لَهُم لِسَانُ الحَالِ ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ) أَي : هذه البلدة بلدةٌ طيّبةٌ مُخصبةٌ ، نَزِهةٌ أرضِها عذبةٌ ليست بسبخة ، ( ورَبٌّ غَفُورٌ ) أي : ربُّكُم الَّذي رَزَقَكُم وَطَلَبَ شُكْرَكُم غَفُورٌ لِمَن شَكَرَه . ( فَأَعْرَضُواْ ) عن الحقِّ ولَمْ يشْكُروا اللهَ عزَّ اسمُهُ ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) والعَرِمُ : اسمُ الجُرَذِ الَّذي نَقَبَ عَلَيهِم السَّكْرَ ، ضَرَبَتْ لَهم ( 4 ) بلقيسُ المَلِكَةُ بِسَدٍّ ما بينَ الجَبَلَيْنِ بالصَّخْرِ والقَارِ ، فَحَقَنَتْ بهِ ماءَ العيُونِ والأَمطَارِ ، وتَرَكَتْ فيهِ خُروقَاً على مِقْدارِ ما يَحتاجُونَ إليهِ في سَقْيِهِم ، فَلَمَّا طَغَوْا سَلَّطَ اللهُ على سَدِّهِم الخُلْدَ ( 5 ) فَنَقَبَهُ من أَسفَلِهِ فَغَرَّقَهُم ، وقيلَ : العَرِمُ : جَمْعُ عَرَمَة وهي الحجارةُ المركُومة ( 6 ) ،
--> ( 1 ) تعدّدت الأقوال في معنى الخمط ، فعن الليث : هو ضرب من الأراك له حمل يؤكل ، وقال الزجّاج : إنّه يقال لكلّ نبت قد أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله ، وقال الفرّاء : الخمط في التفسير ثمر الأراك وهو البرير ، وقيل : شجرٌ له شوك ، وقيل : هو شجر قاتل أو سمّ قاتل ، وقيل : هو الحمل القليل من كلّ شجرة . وأمّا الاثلُ فهو ضرب من الخشب كالطرفاء ، وقيل : هو الطرفاء . انظر لسان العرب : مادة " خمط " و " أثل " . ( 2 ) قاله عبد الرحمن بن زيد . راجع تفسير الماوردي : ج 4 ص 443 . ( 3 ) الكهف : 32 . ( 4 ) في نسخة : " عليهم " . ( 5 ) الخُلْد : ضرب من الجرذان أعمى . ( الصحاح : مادة خلد ) . ( 6 ) قاله الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 576 .